خطبه الجمعه القادمه خالد بدير || حديث القرءان عن الصدق والصادقين

خطبه الجمعه القادمه خالد بدير || حديث القرءان عن الصدق والصادقين


زوارنا الكرام ننشر لكم حصريا على كلام نيوز

خطبه الجمعه القادمه خالد بدير || حديث القرءان عن الصدق والصادقين

نقدم لكم خطبه الجمعه القادمه خالد بدير || حديث القرءان عن الصدق والصادقين وذلك موضوت خطبة الجمعة بتاربخ 12 فبراير 2021 على كلام نيوز.

عناصر الخطبة

خطبة الجمعة

العنصر الأول: الصدق في القرآن الكريم
العنصر الثاني: أنواع الصدق ومجالاته
العنصر الثالث: حاجتنا إلى الصدق في حياتنا المعاصرة.

تحميل خطبة الجمعة pdf

لتحميل خطبة الجمعة القادمة 12 فبراير 2021م، للدكتور خالد بدير : حديث القرآن الكريم عن الصدق والصادقين، بصيغة word  أضغط هنا

لتحميل خطبة الجمعة القادمة 12 فبراير 2021م ، للدكتور خالد بدير : حديث القرآن الكريم عن الصدق والصادقين، بصيغة  pdf أضغط هنا

الموضوع

الحمد لله رب العالمين القائل في كتابه الكريم: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}.[التوبة: 119] . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ؛ وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ؛ الملقب بالصادق الأمين ؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين . أما بعد:

العنصر الأول: الصدق في القرآن الكريم

عباد الله: لقد رغب الإسلام في الصدق وحث عليه في مجالات الحياة كلها ؛ ولأهمية الصدق والعناية به تضافرت نصوص القرآن والسنة في الحث عليه والتحلي به؛ فقد ورد لفظ (الصدق) في القرآن الكريم في ثلاثة وخمسين ومائة (153) موضعاً ؛ والأنبياء عليهم السلام كلهم موصوفون بالصدق، قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} [مريم: 41]. وقال: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا}[مريم: 56]. وَوُصِفَ يوسف عليه السلام بالصدق حينما جاءه الرجل يستفتيه فقال: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} [يوسف: 46]. وأمر الله رسوله – صلى الله عليه وسلم – بالدعاء أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [الإسراء: 80]، وقد كان- صلى الله عليه وسلم – مشهوراً قبل البعثة وبعدها بــ «الصّادق الأمين ».
ولأهمية الصدق والحث عليه أمر الله المؤمنين أن يكونوا دومًا في زمرة الصادقين؛ فقال: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}.[التوبة: 119] . فالصدق طمأنينة للقلب ؛ وفي ذلك يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ “.( النسائي والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح). فالصدق طمأنينة ؛ أي: يطمئن إليه القلب ويسكن، والكذب ريبة؛ أي: يقلق القلب ويضطرب .
وفي مقابل ترغيب الإسلام في الصدق؛ فقد رهب الإسلام من الكذب وشنع القرآن على كل من كذب وخلف وعده وخان؛ بل عده الرسول صلى الله عليه وسلم من خصال المنافقين؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ؛ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ؛ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ.”(متفق عليه).
بل إن الكذب ينافي الإيمان؛ لأن الكذب والإيمان لا يجتمعان في قلب رجل واحد؛ فَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سَلِيمٍ؛ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا؟ قَالَ: «نعم» . فَقيل: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلًا؟ قَالَ: «نَعَمْ» . فَقِيلَ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا؟ قَالَ: «لَا» . ثم تلا قوله تعالى: { إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ }. (النحل: 105).(مالك والبيهقي في الشعب).
أيها المسلمون: لقد ضمن الرسول صلى الله عليه وسلم الجنة لمن حفظ لسانه من خبيث الكلام؛ فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ؛ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “ مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ؛ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ؛ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ ” (البخاري). وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمْ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ؛ وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ؛ وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ؛ وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ؛ وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ؛ وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ “. (أحمد والبيهقي والحاكم وصححه).
وهكذا رغب الإسلام في الصدق ؛ ورهب من الكذب كما جاء في القرآن والسنة .

العنصر الثاني: أنواع الصدق ومجالاته

أيها المسلمون: كثير من الناس يعتقد أن الصدق مقتصر على مطابقة الخبر للواقع؛ أي كذب اللسان أن يُحدِّثَ بخلاف الواقع؛ وهذا أحد أنواع ومجالات الصدق؛ وهناك أنواع ومجالات أخرى للصدق منها ما يلي:
أولاً: الصدق في القول : وهو أشهر أنواع الصدق وأظهرها؛ ومعناه: صدق اللسان في الإخبار، أي مطابقة الخبر للواقع؛ فحقٌّ على كلِّ عبد أن يحفظ ألفاظه، فلا يتكلم إلا بالصدق؛ وقد عد النبي صلى الله عليه وسلم الصمت – إذا كان الكلام يجلب شرًا – شعبة من شعب الإيمان ؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»(متفق عليه) . قال الإمام النووي – رحمه الله – في رياض الصالحين:” اعلم أنه ينبغي لكل مكلفٍ أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاماً ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرامٍ أو مكروهٍ؛ وذلك كثيرٌ في العادة، والسلامة لا يعدلها شيءٌ.”
ثانيًا: الصدق في الفعل: وهو مطابقة الفعل للقول ؛ بحيث فعله يطابق قوله؛ وبالمثال يتضح المقال: فالمسلم الذي تعلم العلم الشرعي لابد أن يطبقه عمليًا ، كأن يكون المسلم عالمًا بحرمة الغيبة وينهى عنها، فهذا لا بدّ أن يصدقّ قولُه عملَه وينتهي هو عن الغيبة قبل أن ينهى عنها، فإن لم ينته لا يكون صادقًا في عمله. قال تعالى: { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} . ( البقرة: 44 ). فكل من يخالف فعلُه قولَه فهو غير صادق في فعله .
ومن أمثلة ذلك – أيضًا- ما حكاه الله لنا من عدم صدق إخوة يوسف عليه السلام في القول والفعل ، إذ كذبوا قولًا أنه أكله الذئب ؛ وكذبوا فعلًا بالدم الكاذب ؛ فجمعوا بين كذب القول وكذب الفعل، قال تعالى: { وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } . ( يوسف: 16 – 18}. فجمعوا بين كذب القول وكذب الفعل .
ثالثًا: صدق النية والإرادة: ويرجع ذلك إلى الإخلاص، وهو أن لا يكون له باعث في الحركات والسكنات إلا الله تعالى، فإن مازجه شوب من حظوظ النفس بطل صدق النية، وصاحبه يجوز أن يسمى كاذبًا. يقول الله عز وجل : { فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ }. ( محمد:21 )، أي فإذا جدّ الحال وحضر القتال ، فلو أخلصوا النية لله لكان خيرًا لهم ، وفي الحديث ” أول ثلاثة تسعر بهم النار، عالم ، ومتصدق ، وشهيد ” أن الله يقول لكل منهم : ” كذبت ، وإنما قرأت ، أو تصدقت ، أو قاتلت ليقال كذا وكذا ” ( الحديث بتمامه في صحيح مسلم). أي وليس صدقًا في طلب الثواب من الله عز وجل .
رابعًا: صدق الوفاء بالوعد والعهد: فالصدق في الوفاء بالعهد من صفات الأنبياء والمرسلين؛ قال تعالى عن إسماعيل –عليه السلام-:{ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا }[مريم: 54].
فالإنسان إذا عاهد عهدًا مع الله أو مع الناس؛ لابد أن يصدق في عهده ووعده؛ لذلك أثني الله تعالى على المؤمنين بقوله: { مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ }. [الأحزاب: 23]. روي البخاري عَنْ أَنَسٍ قَالَ: غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ، لَئِنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ المُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَانْكَشَفَ المُسْلِمُونَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ -يَعْنِي أَصْحَابَهُ- وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ، -يَعْنِي المُشْرِكِينَ- ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ الجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ، قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ، قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ، أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ”.
خامسًا: الصدق في التجارة والمعاملات: فالصدق في المعاملات يورث الثقة بين المتعاملين؛ كما أنه سبيل إلى حصول البركة؛ فَعَن حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا”(متفق عليه)؛ قال ابن حجر:” في الحديث حصول البركة لهما إن حصل منهما الشرط وهو الصدق والتبيين، ومحقها إن وجد ضدهما وهو الكذب والكتم، وأن الدنيا لا يتم حصولها إلا بالعمل الصالح، وأن شؤم المعاصي يذهب بخير الدنيا والآخرة.”(فتح الباري).
ويكفي أن الصادق يحشر مع النبيين والشهداء؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ”( الطبراني والحاكم والترمذي وحسنه).
وهكذا يشمل الصدق مجالات الحياة كلها في الأقوال والأفعال والأحوال .

العنصر الثالث: حاجتنا إلى الصدق في حياتنا المعاصرة

أيها المسلمون: إن من ينظر إلى واقعنا المعاصر يجد أن الناس استهانوا بخطورة الكلمة؛ واستباحوا الكذب بمبررات غير شرعية؛ ويظنون أنهم لن يحاسبوا على كل ما يخرج؛ وإنني في هذا المقام أنبه على أمرين هامين:
الأمر الأول: أن النكت: وهي قصص مكذوبة يقصد بها إضحاك الآخرين داخلة في الكذب المنهي عنه؛ فكثير من الناس يؤلف نُكَتًا مكذوبةً على رجالٍ معينين أو فئة أو صاحب مهنة؛ ليسخر منهم ويُضحِكَ الآخرين؛ كأن يقول: ” واحد صعيدي فعل كذا كذا…….”؛ ثم يتمايل الجميع من الضحك؛ ويظنون أن هذا مباح!! وحسبك أن الله توعدهم هو ورسوله بالويل! فعن معاوية بن حيدة القشيري رضي الله عنه قال ؛ قال رسول اله صلى الله عليه وسلم:” ويلٌ للذي يحدِّثُ بالحديثِ لِيُضحِكَ بهِ القومَ فيكذِبَ ، ويلٌ لهُ ، ويلٌ له” (أبو داود والترمذي وحسنه).
وليس معنى ذلك أن الإسلام يدعوك إلى العبوس والكآبة ؛ كلا ؛ إن الإسلام أباح المزاح شريطة أن يقول حقًا وصدقًا؛ وكان صلى الله عليه وسلم يمزح مع أصحابه ويداعبهم ولا يقول إلا حقًا؛ وشواهد ذلك كثيرة.
فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ :” أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: احملني، قال صلى الله عليه وسلم : إنا حاملوك على ولد ناقة، قال: وما أصنع بولد الناقة ؟!، فقال صلى الله عليه وسلم: وهل تلد الإبل إلا النوق!؟”( الترمذي ). فكان قوله صلى الله عليه وسلم مداعبةً للرجل ومزاحًا معه، وهو حق لا باطل فيه.
وعن الحسن قال : أتت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ، ادع الله أن يدخلني الجنة ، فقال : يا أم فلان ، إن الجنة لا تدخلها عجوز . قال : فَوَلَّتْ تبكي ، فقال : أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز ، إن الله تعالى يقول : {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا} . ( الترمذي) .
وهنا يتساءل الصحابة عن ذلك مخافة وقوعهم في الكذب؟! فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قالوا يا رسول الله : إنك تداعبنا؟! قال”: نعم ، غير أني لا أقول إلا حقًا “. ( الترمذي).
الأمر الثاني: أن كثيرًا من الناس يعتقد أن في الإسلام كذبًا أبيضَ وآخر أسودَ ؛ وهذا ليس من الشرع في شيء؛ فالكذب كله محرم؛ قليله وكثيره؛ إلا ما رخص فيه الشرع الحكيم من أجل المصلحة؛ وذلك في ثلاث حالات: فعن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها قالت:” رخَّصَ النبِيُّ مِنَ الكَذبِ في ثلاثٍ: في الحربِ، وفي الإصلاحِ بين الناسِ، وقولِ الرجلِ لامرأتِهِ. وفي روايةٍ: وحَدِيثِ الرجلِ امرأتَهُ، وحَدِيثِ المرأَةِ زوجَها”. (أحمد ومسلم).
عباد الله: أختم هذا اللقاء بقصص الصدق؛ وكيف ربَّى الصالحون الأوائل أولادهم على الصدق لأن فيه النجاة:
القصة الأولى: قال الشيخ عبد القادر الجيلاني -رحمه الله-: بَنَيْتُ أمري على الصدق، وذلك أني خرجت من مكة إلى بغداد أطلب العلم، فأعطتني أُمِّي أربعين دينارًا، وعاهدتني على الصدق، ولمَّا وصلنا أرض (هَمْدَان) خرج علينا عرب، فأخذوا القافلة، فمرَّ واحد منهم، وقال: ما معك؟ قلت: أربعون دينارًا. فظنَّ أني أهزأ به، فتركني، فرآني رجل آخر، فقال ما معك؟ فأخبرته، فأخذني إلى أميرهم، فسألني فأخبرته، فقال: ما حملك على الصدق؟ قلت: عاهدَتْني أُمِّي على الصدق، فأخاف أن أخون عهدها. فصاح باكيًا، وقال: أنت تخاف أن تخون عهد أُمِّك، وأنا لا أخاف أن أخون عهد الله!! ثم أمر بردِّ ما أخذوه من القافلة، وقال: أنا تائب لله على يديك. فقال مَنْ معه: أنت كبيرنا في قطع الطريق، وأنت اليوم كبيرنا في التوبة، فتابوا جميعًا ببركة الصدق وسببه” .( نزهة المجالس ومنتخب النفائس: الصفوري ).
قارن بين ذلك وبين ما يحدث في واقعنا المعاصر: إذا طرق أحد الباب أو اتصل أحد على التليفون يقول الوالد لولده: قل له أبي مش موجود!!! إننا بهذا الشكل نربي أولادنا على الكذب ونطبقه أمامهم عمليًا ؛ ولا شك أن هذه قدوة سيئة!! فلابد أن نضرب لهم القصص والأمثلة العملية التي تغرس في نفوسهم الصدق حتى يكون سجيةً وطباعًا في تعاملهم مع الله ومع الناس ؛ وقبل كل ذلك مع أنفسهم!!
القصة الثانية: روى أن جماعة من اللصوص لاحقوا شابًا من أجل سرقته وأخْذ ما معه من مال؛ هرب الشاب إلى الغابة خوفًا من اللصوص؛ فوجد رجلًا يحتطب فطلب منه أن يخبئه من اللصوص؛ فأشار عليه بالاختباء في كومة الحطب؛ فأتوا اللصوص وسألوا الحطاب: هل رأيت أحدًا يجري منذ قليل؟ فأخبرهم بأن الشاب مختبئ في كومة الحطب، إلا أنهم سخروا منه وقالوا لبعضهم أنه يريد أن يؤخركم عن ملاحقة الشاب؛ وبالفعل انصرفوا بسرعة فخرج الشاب غاضبًا وقال للحطاب: لماذا أخبرتهم بمكاني؟! فقال الحطاب: يا بني اعلم أن النجاة في الصدق دائمًا. فالصدق منجاة وإن رأيتم فيه الهلكة!!
القصة الثالثة: أن الإسلام حرم الكذب حتى على الحيوانات التي لا تعقل؛ فلا يجوز لك أن تكذب عليها؛ فقد روى العلامة المعلمي اليماني في كتابه الأنوار الكاشفة :” أن جماعة من أصحاب الحديث ذهبوا إلى شيخ ليسمعوا منه؛ فوجدوه خارج بيته يتبع بغلة له قد انفلتت؛ يحاول إمساكها وبيده مخلاة يريها البغلة ويدعوها لعلها تستقر فيمسكها؛ فلاحظوا أن المخلاة فارغة؛ فتركوا الشيخ وذهبوا وقالوا أنه كذاب! كذب على البغلة بإيهامها أن في المخلاة شعيرًا !! والواقع أنه ليس فيها شيء!! فرجعوا ولم يسمعوا منه. وقالوا: هذا يكذب على البغلة فلا نأمن أن يكذب في الحديث!!”.
فعلينا أن نربي أبناءنا وبناتنا على الصدق ؛ ولنعد إلى ما كان عليه سلفنا الصالح من صدق في المعاملات؛ حتى نكون قدوةً لغيرنا ودعوةً للآخرين إلى الدخول في هذا الدين الحنيف؛ ونكتب جميعًا عند الله من الصديقين.
إننا إن فعلنا ذلك فزنا في الدنيا بالسعادة والثقة والطمأنينة؛ وفي الآخرة بالجنة والثواب العظيم.
اللهم إنا نسألك الصدق في القول والعمل؛ ونعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق.
الدعاء……..
وأقم الصلاة
كتبه : خادم الدعوة الإسلامية
د / خالد بدير بدوي