’’هنا’’ شرح قصيدة ابن زيدون || كاملة 2020

’’هنا’’ شرح قصيدة ابن زيدون || كاملة 2020


زوارنا الكرام ننشر لكم حصريا على كلام نيوز

’’هنا’’ شرح قصيدة ابن زيدون || كاملة 2020

نقدم لكم شرح وتحليل قصيدة ابن زيدون مع الابيات على كلام نيوز

الكاتب

نونية ابن زيدون / من عيون الشعر الأندلسي - YouTube

ابن زيدون هو أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزوميّ الأندلسيّ، وهو من أبرز شعراء الأندلس، تنوّع شعره فكتب في الغزل العفيف وفي الرثاء والفخر، ووصف الطبيعة، حيث كان لنشأته في مدينة قرطبة التي اشتهرت بطبيعتها الرائعة دورٌ في إبداعه في هذا المجال، كما امتاز شعر ابن زيدون بطول القصيدة وكثرة الفنون الشعريّة التي اتبعها، فكان من أبرع شعراء عصره.

الفكرة العامة: وفاء الشاعر في حبه لولادة

يكاد الشاعر في هذه الأبيات، يذوب أسى وألما على فراق محمبوبته ولادة بن المستكفي، ويتحرق شوقا إليها وإلى الأوقات الصافية الماتعة التي أتيحت له معها. وفي ظلال هذه العاطفة المتأججة الملتهبة، أنشأ هذه القصيدة النابضة بالحياة المترجمة عما في صدره من مكنون الحب والوفاء العجيبين.

الفكرة الأولى

وصف للحاضر الأليم، وتألم على الماضي الجميل، ويعبر عن كل ذلك من خلال أبيات تقطر وفاء وحبًا وتجلدًا

شرح الابيات

. 1. أضحى التنائي بديلاً من َتدانينا *** ونابَ عن طيبِ ُلقيانا تجافينا

وهنا يستهل الشاعر قصيدته بالتوجع والتحسر على ما صارت إليه حاله فقد تغيرت من قرب بينه وبين محبوبته إلى بعد ونأي يتزايد مع الأيام. لقد تحول القرب بعدا وصار اللقاء جفاء وهو أمر يشقيه ويعذبه كما نجد الشاعر قد استخدم ألفاظا جزلة في التعبير عن مدى وطول البعد وقوة الشوق حيث استخدم ألفاظ ذات حروف ممدودة يمتد فيها النَفَسُ ليعبر عن ألمه ونجد ذلك في جميع ألفاظ البيت الأول. فهو يقول إن التباعد المؤلم بينه وبين محبوبه أضحى هو السائد بعد القرب الذي كان وحل مكان اللقاء والوصل الجفاء والهجر

ألاّ وَقَد حانَ صُبحُ البَينِ، صَبّحَنا حَيْنٌ، فَقَامَ بِنَا للحَيْنِ نَاعيِنَا

متابعة للفكرة التي تسيطر على هذه المجموعة من الأبيات، والتي يتحدث الشاعر من خلالها عن مدى الحرقة، والألم اللذين أصاباه في مقتل، حتى أوشك على الهلاك. ولعل الشاعر قد وفق في توظبف الألفاظ الدالة والمعبرة عن تجربته الحزينة، حيتما استخدم ألفاظًا تعضد تلك التجربة الصادقة مثل: البين، والحين، ولعل مما ساعد على تأجيج تلك العاطفة، توظيفه للغة توظيفا غير مباشر، وغير حقيقي، عندما اضاف الصبح للبين، مع ما بين المفردتين من مفارقات، فالصبح رمز التفاؤل، والأمل، تحول عند شاعرنا إلى معادل للفناء، والموت

مَنْ مبلغُ الملبسِينا، بانتزاحِهمُ حُزْنـاً،

معَ الدهرِ لا يبلى ويُبْلينَا

أن الزمان الذي ما زال يضحكنا أنــسا بقربهـم قـد عـاد يبكينا.

لا شك أن التعبير غير المباشر عن التجربة الشعرية يزيدها بريقًا، والقًا، لذا نرى الشاعر في البيت السابق يوظف الاستفهام لغير ما وضع له في الحقيقة، وذلك إظهار بغرض التوجع والتحسر والألم الذي حل به، ومما يدل على شدة معاناته انه راح يطلب من أي أحد أن يبلغ أولئك الذين ألبسوه هذا الثوب؛ ثوب الحزن الدائم، المتجدد وابتعدوا عنه(ويقصد هنا الواشين الذين فرقوا بينه وبين محبوبته) أن هذا الحزن ملازم له لا يفارقه حتى يهلك، وأن ضحكه قد تحول إلى بكاء دائم، و أن الزمان الجميل السابق والذي ملأ حياتنا أنسا، وحبورا، وسرورًا.. قد تحول، وتبدل.. فهو اليوم يبكينا، ويحزننا، وكأننا به وقد وصل به الضعف درجة يستعطف أولئك الشانئين أن يرقوا لحاله، وحال محبوبته وأن يتركوهما وشأنهما.

5- غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا***بأن نغص فقال الدهر: آمينا

ويستمر الشاعر في إرسال رسائله إلى محبوبته وإلى مستمعيه.. فيقول: بأن عذاله قد حنقوا عليه وعلى محبوبته لما بينهما من صفاء، وود، ومحبة، وأن الدهر قد استجاب لدعائهم وحقق لهم ما أرادوا من وقيعة بينهما فأصابهما الحزن والألم.


6- فَانحَلّ ما كانَ مَعقُوداً بأَنْفُسِنَا*** وَانْبَتّ ما كانَ مَوْصُولاً بأيْدِينَا
7- وَقَدْ نَكُونُ، وَمَا يُخشَى تَفَرّقُنا*** فاليومَ نحنُ، ومَا يُرْجى تَلاقينَا

من الواضح أن هناك ترابطًا بين البيت السادس، وبين البيت الخامس، بحيث صار البيت السادس نتيجة طبيعية لكيد العدا، والعذال الذين ساءهم ما كان عليه الحبيبان من وفاق، وصفاء، ومودة..، فكان نتيجة ذلك كله أن تفرقنا، وتباعدنا، وانفرط عقد محبتنا، وما كان بيننا من وئام، واتفاق، حيث لم يكن يخطر ببال أحد منا أن يأتي هذا اليوم الحزين، الذي نفترق فيه فراقًا لا يرجى من ورائه لقاء، أو وصال.

8- يـا ليتَ شعرِي ولم نُعتِبْ أعاديَكم***هَـلْ نَـالَ حَظّاً منَ العُتبَى أعادينَا

9- لـم نعتقدْ بعدكـمْ إلاّ الوفـاء لكُـمْ*** رَأيـاً، ولَـمْ نَـتَـقـلّدْ غَيـرَهُ دِينَا

وفي لهجة المحب المنكسر.. والعاشق الواله، الذي يكتم الحسرات غصصا في قلبه يخاطب الشاعر، بل يعاتب، مستخدمًا أسلوب النداء وحذف المنادى، لأنه علم ومعروف، وليس بحاجة إلى تعريف.. فهل نال العدا من الرضا، مثلما نلنا من الهجران؟!، فكيف يتم ذلك؟!! ونحن الأوفياء، ونحن المخلصون على الرغم من هذا النأي، فليس لأحد أن يملأ هذا الفراغ الحاصل في قلبي سواكم.

نظرات نقديةأولاً

اللغة:  الشاعر الجيد هو الذي يستطيع أن يتجاوز من خلال ألفاظه، وتراكيبه الإيحائية، وغير المباشرة.. قصور اللغة، وجمودها في تراكيبها العادية، والمعجمية، وذلك من خلال استغلال الطاقات الكامنة فيها، وأن يشحن لغته بالصور، والموسيقى، حيث أن دور اللغة لا يقتصر على كونها وسيلة من وسائل التعبير فقط، بل إنها تحتوي على خاصية جمالية فريدة، وقدرة فائقة في إثارة أحاسيس، ومشاعر القراء، ونقلهم إلى أجواء وعوالم نفسية جديدة.. وذلك فيما يعرف بالموسيقى الناتجة عن تآلف، وتآزر الألفاظ، والتراكيب ومن خلال قدرة الشاعر وتمكنه من تقنيات التقديم، والتأخير، والذكر، والحذف، وتوظيف الأساليب المختلفة من استفهام، وتعجب، وتمنٍ، وأمر…وغير ذلك من الأساليب التي يخرجها الشاعر عن حالتها الحقيقية المباشرة، إلى معان أخرى مجازية تزيد اللغة تألقًا، وإشعاعًا، وإيحائية، وقد وقفنا على جانب كبير من خلال تلك الصور البيانية، والأساليب المختلفة التي سلَّطنا عليها بعض الضوء في هذه الدراسة.

ثانيًا: الألفاظ

تعتبر الألفاظ المقوم الأساس الذي يقوم عليه الشعر قديمًا وحديثًا، فإن كانت المعاني هي روح الشعر، وموضوعه، فإن الألفاظ بمثابة الجسد للروح، وكما يقول الجاحظ فإن المعاني مطروحة في الطريق، فالموضوع لم يكن في يوم من الأيام هو الشعرية، إنما كيف تنتج الموضوع؟ وكيف تقول ما تقول؟ (أي بالألفاظ) فهذا هو الشعر، لذا فإن أهم عنصر في العمل هو القدرة على التشكيل.. أي صب المادة الخام (المعاني) في قالب (الشكل، أو اللفظ)، وذلك ما يعنيه الجاحظ بقوله: “إن المعاني مطروحة في الطريق”، ولكن المهم الصياغة الفنية، من خلال التشكيل اللفظي لتلك المعاني. بالنظر إلى ألفاظ الشاعر في هذه القصيدة، نرى أنها تتسم بالرقة، والعذوبة، والوضوح، ولعل الموضوع الذي عالجه الشاعر (الغزل) يقتضي مثل هذه الألفاظ الشاعرية، التي يذوب الشاعر من خلالها في محبوبه، الشيء، الذي لا يعطي له مساحة كبيرة من الخيارات اللغوية، أو ليس عنده الوقت الكافي الذي يسمح له بانتقاء ألفاظه، بحيث تبدو غليظة، جافة، أو تحتاج لمعرفتها إلى اللجوء إلى المعاجم، والقواميس، ولهذا وجدنا الألفاظ قد فُصِّلت على قد المعاني دون كد للعقل، أو إجهاد للفكر. ومن هذه الألفاظ: التنائي، والتداني، لقيانا، تجافينا وهي ألفاظ تتطابق وتتناسب مع موضوع الغزل الذي لا يخلو من نأي أحيانا، وتقارب أحيانا أخرى، لقاءات السحر والجمال تارة، ثم قد يتبعها الجفاء..وهكذا هي حال المحبين، والعشاق