’’هنا’’ شرح وتحليل نص واخالداه || 2020


زوارنا الكرام ننشر لكم حصريا على كلام نيوز

’’هنا’’ شرح وتحليل نص واخالداه || 2020

فى كلام نيوز شرح وتحليل نص واخالداه

الشرح

جاءت القصيدة في أحد عشر بيتا صاغها الشاعر على بحر البسيط جاعلا من حرف الراء رويّا لها، وهو حرف حنكيّ متكرّر يحوّل تواتُرُه القصيدة إلى زغرودة فرح. وهذا التواتر لم يقف عند الرويّ بل شمل مختلف الأبيات منطلقا من البيت الأوّل:

ضرب من العشق لا درب من الحجر

هذا الذي طار بالواحات للجزر

منصور العساف on Twitter: "قصيدة غازي القصيبي في رثاء الملك خالد رحمهما  الله...… "

ويتواصل الإيقاع الراقص الطرِبُ من خلال تواتر (الراء) أربعا وثلاثين مرّة في مجمل الأبيات، مترجما نشوة الشاعر بالحدث.

وهذه النشوة لم تسجن القصيدة في أدب المناسبات الذي عادة ما يخبو نوره بانتهاء المناسبة، بل سَما بها إلى الحديث في لغة عاشقة عن الأحاسيس والأشواق فجعلها تنتصر على منطق الحجر والأسفلت.) ضرب من العشق لا درب من الحجر…)

وهذه الإشارة إلى (الجسر) هي الإشارة اليتيمة في القصيدة كلّها، ليتحوّل بدوره إلى ضمير مستتر مع الفعلين (طار بالواحات…) و(ساق الخيام…)

ويقدّم البديع خير خدمة للشاعر من خلال الجناس بين (ضرب) و(درب) فينتصر العشق على الحجر من خلال عمليّة التقديم والتأخير، فيتصدّر (العشق) البيت بل القصيدة عنوانا، ويسيطر على لغتها ومعجمها (الخفر – السمر – القمر- زائرتي- هِمتُ بها – العين – الحور- يقرّبنا…)

ولئن غلبت المقابلات بين الصحراء والبحر على جانب كبير من الأبيات، فإنّ معجم البحر والماء غلب على البيت الثاني (الشطآن – انزلقت – المياه – شراعا -) وتحوّلت الخيام إلى أشرعة بيضاء تمخر مياه الخليج، تعبيرا ضمنيا عن وجود الشاعر في ضيافة البحر بمناسبة موضوع القصيدة.

أحلام اليقظة تتحقق

بعد أن وصف الشاعر الرحلة ومسارها من الرمال إلى المياه، وجد نفسه أمام مشهد غير مألوف، دفعه إلى التساؤل عن حقيقة هذا المشهد: (ماذا أرى؟)

إنّه مشهد يفوق الخيال.. ما كان يخطر على بال الشاعر، لذا كان وجه العجب من مشهد هذا الجسر الطويل الممتدّ بين السعودية والبحرين… جسر رأى فيه غازي القصيبي وحدة بين حضارتين، الأولى صحراوية والثانية بحرية. فأغنيات الغوص وأصوات الحداء متشابهة يصعب على الشاعر التمييز بينها، والنخل صار مطوّقا بالأصداف والدرر.

إنّ هذا المشهد ينفي المسافات القائمة، ويستبق الأحداث حتّى تكون الرغبة الكامنة في نفس الشاعر لتحقيق وحدة الكثبان والشطآن حقيقة لا خيالا.

وهذه الصور الشعرية نسفت حدود الجغرافيا، فاجتمعت لدى الشاعر في مكان واحد جلّ مدن السعودية والخليج (الرياض- المنامة- جدّة – المحرّق – مسقط- الدوحة- الكويت – العين) واستوت لديه مختلف المدن دون مفاضلة (بدو وبحّارة ..ما الفرق بينهما؟) فوقع في شرك التغزّل بها جميعا:

مع الإشارة إلى أنّ الشاعر غيّب الجانب السياسي، فانتفت الأقطار وراياتها، وحضرت المدن بأسمائها، لكأنّها مدن عديدة لوطن واحد، قد يختلف مثلما يراد له ذلك، لكنّه ينتسب بكل مقوماته البرية والبحرية إلى جدّ واحد عربي صميم هو (مضر) .

إنّ هذه القصيدة حافلة بالتقابل بين معجمين مختلفين معجم الصحراء ومعجم البحر ولكنّه ليس تقابل تنافر بقدر ما هو تكامل بين القطبين، يجدان في الجسر الجديد مجالا للتواصل وتحقيق الغايات الفردية والجماعية.

إيقاع القصيدة

إنّ هذه القصيدة تدلّ على صنعة كبيرة وقدرة الشاعر غازي القصيبي على التصرّف في كيمياء الشعر بمضامينه وأساليبه. وقد جاءت الأبيات على بحر البسيط، وفيه مراوحة بين التفعيلتين (مستفعلن) و(فاعلن) وبين الصدر والعجز. والمدّ والجزر يلتقيان مع رغبة الشاعر في التعبير عن المراوحة بين حضارة الرمال والصحراء من جهة وحضارة البحر والجزر من جهة ثانية، فكانت الأداة (أمْ) همزة وصل بين القطبين تواترت سبع مرّات لتكون في الظاهر فصلا وهي في الواقع وصل بين الشطآن والكثبان.

وهذه القصيدة غنائية تحمل طرب الشاعر بالحدث وتعبّر عن نشوته. وجاء الإيقاع مترجما في معجمه وإيقاعه هذا الطرب.

فمفردات الغناء متواترة (أغنيات – الحداة – شدوا – توشوشني…) أمّا الأصوات الطاغية على الأبيات ففيها فرحة ونشوة. فبالإضافة إلى حرف (الراء) وما يحدثه من طرب نجد حرفين يتواتران بكثرة هما (الميم) و(النّون) وهما حرفان خيشوميان يحدثان غُنّة فيها طرب. فصوت الميم تواتر 38 مرّة، وصوت النّون تواتر45 مرّة (حرفا وتنوينا) وهذا الإلحاح العفويّ على هذه الغنّة يترجم رغبة الشاعر في الغناء والترنّم بما تمّ إنجازه من عمل يحقّق الرغبة في التواصل الفعلي بين مختلف المدن والأقطار.

وتكمن بلاغة هذا البيت الشعري في

– نفي كلّ المسافة بين الشاعر وبين الخليج لذا غابت حروف النداء. والخطاب بهذا الشكل لا يكون إلاّ مع القريب في المكان وإلى القلب.

– التقابل التامّ بين كلّ الوحدات اللغوية: حبال / خيط – الله / البشر- تربط/يقرّب.

– التقابل بين الأسلوب الخبري في الصدر والأسلوب الإنشائي في العجز.

إنّ شاعرنا يأمل في أن يكون مثل هذا الجسر خيطا نسجته يد الإنسان للتقريب بين الأفراد والأقطار.

إذا كان على المهندسين أن يخطّطوا لمثل هذه المشاريع، وعلى السياسيين أن يقوموا بتشجيعها وتمويلها، فإنّ وظيفة الشاعر أن يكون حاديا لهذه المسيرة بما هي جديرة به من إبداع فنّي، ومبشّرا بآفاق جديدة. ولقد كانت قصيدة الشاعر غازي القصيبي في حجم هذا الإنجاز.