خطبة الجمعة وداعا يا رمضان 2021

خطبة الجمعة وداعا يا رمضان 2021


خطبة الجمعة وداعا يا رمضان 2021

وداعاً يا رمضان يا شهر الصبر والرحمة والغفران

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:

إخوتي الكرام؛ بالأمْسِ القريب كنا نَسْتقبلُ رمضان بشَوْقٍ وفرَح وسُرور، وهَا نحنُ نُوَدّعُهُ بحُزْنٍ وألَم، وأمَلُنا في الله كبير، ورَجاؤُنا منه سبحانه أنْ يَتقبَّلَ مِنّا الصّيامَ والقِيامَ، وأنْ يُثيبَنا على الذِّكْرِ وقِراءة القرآن.

فرمضانُ سُوقٌ انتَصَبَ ثم انْفَضّ، رَبِحَ فيه مَن رَبح، وخَسِرَ فيه مَن خَسِر، رَبح فيه الصائمون القائِمون الذاكِرون السّابقون بالخيرات. وخَسِرَ فيه الغافِلون السّاهُون اللَّاهُون المقَصّرون.

فَهَنِيئاً لمنْ صام رمضانَ إيـمانا واحْتِسابا، فغُفِرَ له ما تَقَدّمَ مِنْ ذَنبه. وهَنيئاً لمنْ قام رمضان إيـمانا واحتِسابا، فغُفِرَ له ما تقدّمَ مِن ذنبه. وهَنيئاً لمنْ قام ليلةَ القدْرِ إيـمانا واحتسابا، فغُفِر له ما تقدم مِن ذنبه.

هنيئا لمن قضى أيام رمضان في طاعة الله، وأحيا لياليه في مرضاة الله.

هَنيئاً لمن خرج من رمضان وقد تطهر قلبه من كل الأمراض والأدران، وتعودت نفسه على الطاعة والمعروف والإحسان، وتغيرت حاله إلى أحسن حال.

هَنيئاً لمن خرج من رمضان وقد غُفِرَتْ ذُنوبُه، وكثُرَتْ حَسناتُه، ورُفِعتْ دَرجاتُه، وأُعْتِقتْ رقبَتُه.

هنيئا لمن قبِله ربه وقرّبه وأدْناه، ومن كل خير وجميل حلاّه.

ويا حسرتاه على من أبعده ربه ورده، ومقته وقلاه.

يا حسرتاه على من ضيع أيام رمضان ولياليه في لهو ولعب، أو في نوم وكسل، أو في معاص وذنوب.

يا حسرتاه على من خرج من رمضان كما دخله، بذنوب غير مغفورة، وأعمال غير مقبولة.

فيا من تعلمتَ الصبر في رمضان على طاعة الله؛ اصبر على ما يُرضِي الله حتى تلقاه وهو عنك راض. وإياك أن تعود إلى التقصير والتفريط في طاعة الله بعد رمضان

يا مَنْ ربيتَ نفسك على الصيام في رمضان؛ لا تَحْرمْ نفسَك من الصيام تطوعا وتقربا إلى الله بعد رمضان، فبابُ التطوّعِ مَفتوح، واعلم أن الصيام وقاية لك من النار، ففي الصحيحين وغيرهما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ الله، بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا». أيْ مسافة سبعين عاما.

ولتكنْ بدايتك من شوال، فقد رَغّبَ النبي صلى الله عليه وسلم في صيام سِتةِ أيام مِنْ شوال، فقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ». رواه مسلم عن أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه.

ويا من ربيتَ نفسك على القيام في رمضان؛ لا تحرم نفسك من القيام بعد رمضان ولو بركعات قليلة، ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ ».

وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟».

ويا من عِشتَ مع القرآن في رمضان؛ إياك أن تهجر القرآن بعد رمضان، عِشْ مَع القرآن طُولَ حياتِك، فهو النورُ والهدى، الذي قال عنه ربُّ العالمين سبحانه: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [المائدة: 15، 16].

ويا من كنتَ من عمار المساجد في رمضان؛ إياك أن تهجُر بُيوتَ الله بعدَ رمضان، واعلم أن الرجولة والشهامة والبطولة أن تكون من عمار بيوت الله، أن يكون قلبك معلقا بالمساجد، قال سبحانه:  ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ  * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [النور: 36، 38]. وقال سبحانه: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ [التوبة: 18].

يا من كنتَ تحافِظ على الصلوات في رمضان؛ إياك أن تترك الصلاة بعد رمضان، وإياك أن تضيع الصلاة بعد رمضان، فهي صلة بينك وبين خالقك ومولاك، واعلم أن طريق الفلاح في المحافظة على الصلوات، قال تعالى في صفات عباده المؤمنين المفلحين: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 1، 2]… إلى أن قال سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: 9 – 11]. وعند كل صلاة يُذكّرك المؤذن بالفلاح: “حي على الفلاح حي على الفلاح”.

خطبة الجمعة قصيرة
دعاء, مسجد, مصحف, ادعية

يا من كنتَ تلازم الذكر في رمضان؛ إياك أن تهجر ذكر الله بعد رمضان، واعلم أن ذكر الله حياة للأرواح وطمأنينة للقلوب. قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]. وفي صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه، مثل الحي والميت».

يا من كنتَ من أهل الإحسان في رمضان؛ إياك أن تقطع إحسانك وإنفاقك عن إخوانك من المحتاجين بعد رمضان، أحسن كما أحسن الله إليك، أنفق ينفق الله عليك، روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ اَلدُّنْيَا، نَفَّسَ اَللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ. وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اَللَّهُ عَلَيْهِ فِي اَلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ».

ومن الإحسان الذي نختم به رمضان ونستفتح به ما بعده من الشهور: زكاة الفطر، التي يؤدّيها المسلم صبيحة يوم العيد أو قبل يوم العيد بيوم أو يومين، ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على كل حُرّ أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين».

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، مَن أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات». أخرجه أبو داود وابن ماجة، والحاكم وقال صحيح علىشرط البخاري، ووافقه الذهبي.

فَداوِمْ على الطاعات التي تربيتَ عليها في رمضان، فإن الـمُداوَمة على الطاعاتِ والقُرُبات، مِنْ سِمَاتِ الأنبياءِ والصّالحين.

روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالتْ: سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الأعمالِ أحَبُّ إلى الله؟ فقال: «أدْوَمُها، وإنْ قَلّ».

وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عَمِلَ عَمَلاً أثْبَـتَه). أيْ داوَمَ عليه.

والمداوَمةُ على الطاعاتِ وَصِيّةُ اللهِ لأنبيائِه ورُسُلِه؛ قال تعالى عن نبيّه عِيسى عليه السلام: ﴿ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾ [مريم: 31]. أيْ مُدّةَ بَقائي في هذِه الحياة.

والمداوَمةُ على الطاعات وَصيّةُ اللهِ لِعبادهِ المؤمنين؛ قال تعالى في مَدْحِهِمْ: ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾ [المعارج: 23].

فَمِنَ الخطإ الذي يَقعُ فيه كثيرٌ مِنَ الناس تخْصِيصُ شَهْر رَمضانَ بالطاعةِ والاسْتِقامةِ دُون غيرهِ مِنَ الشهُور؛ والعبْدُ لمْ يُخلقْ لِيكون عبْداً لله في رمضانَ وعبداً لِـهَواهُ بعدَ رَمضان. فرَبُّ الشهور واحد، قال عزّ وجل: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [التوبة: 36]. والذي فرَضَ الصيامَ وأمَرَ بعبادتِه في رمضان، هو الذي أوْجَبَ على العِبادِ الطاعَةَ على الدّوَام، وهو القائِلُ سُبحانه: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 99]. وهو القائلُ سبحانه: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56].

فنسأل الله تعالى أن يثبتنا على طاعته حتى نلقاه

الخطبة الثانية

أخي الكريم؛ يا من تعلمتَ الصبر في رمضان على ترك المعاصي والمنكرات؛ اصبر على اجتناب كل ما نهى الله عنه مِن سَيّء الأعمال والأقوال والأحوال على الدوام، وإياك أن تعود إلى المعصية بعد رمضان.

يا مَن تغلبتَ على شهوة النفس والهوى في رمضان؛ إياك أن تصير عبداً لشهوتك وهواك بعد رمضان، فربك الذي عبدته وخضعت له في رمضان هو الذي ينبغي أن تعبده وتخضع له على الدوام.

يا مَن صُنْتَ جوارحك عن المعاصي في رمضان؛ إياك أن تطلِقَها تسرح في المعاصي بعد رمضان، تذكّرْ شهادتها عليك بين يدي الله تعالى يوم الجزاء والحساب، فإن وظفتها في طاعة الله شهدت بذلك، وإن وظفتها في المعصية شهدت بذلك، قال سبحانه: ﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [يس: 65]. وقال عز وجل: ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [فصلت: 19 – 23].

وتذكّرْ أنّ عاقبة المعصية وخيمة، وأنّ أثرَها على الفرد والمجتمع قبيح، وأنّ فسادَها وضررها كبير في الدنيا والآخرة.

أما في الدنيا؛ ففي تعاطي المنكرات والوقوع في الحرمات: أحزان وآلام، وأمراض وأسقام، وحروب وفتن، وبلايا ومحن. وقد أخبر عن بعض ذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا معشر المهاجرين؛ خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يُعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخِذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم. ولم يَمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا. ولم يَنقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم». رواه ابن ماجة، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة.

وأما في الآخرة؛ فسوء المصير، والويل والثبور، والحسرة والندامة، والعذاب الأليم، ويكفي أن تتأمل في حال من قال الله عنه: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ* وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ ﴾ [الحاقة: 25، 37].

ثم اعلم يا عبد الله؛ أنّ اللذة التي قادتك إلى معصيةِ الله والتفريطِ في طاعته ستذهب وتفنى وتزول، ويبقى إثمها وذنبها سوادا في صحيفتك، وتبقى حسرتها وندامتها غُصّة في حلقك لا تفارقك.. إن لم تتب إلى الله عز وجل. قال سبحانه: ﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾ [الزمر: 54 – 56].

تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الإثم والعارُ تبقى عواقبُ سوء في مغبتها لا خيرَ في لذة مِن بعدِها النارُ 

وأخيرا ؛ أترضى لنفسك يا عبد الله أن تكون من المفلِسين؟ من المحرومين؟. والمحرومُ مَن حُرم أجر صيامه وقيامه، والمفلس من ضاع ثواب طاعته وعبادته. وهذا ما حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون ما المفلِس؟». قالوا: المفلِسُ فينا مَن لا درهم له ولا متاع. فقال: «إن المفلس مِن أمّتي؛ يأتي يومَ القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا مِن حسناته، وهذا مِن حسناته، فإن فنِيَتْ حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أخِذَ مِن خطاياهم فطرحَتْ عليه، ثم طرح فى النار». فإياك أن تكون مفلسا فاقدا لكل شيء من الخير بعودتك إلى المعاصي والمنكرات بعد رمضان.

أمامنا يوم عظيم من أيام الله، يوم عيد الفطر المبارك، عيد الفرح والشكر، وإنما تكتمل الفرحة بلم الشمل ونسيان العداوة والخصام، وعودة المودة والمحبة بين الأقارب والأصحاب والجيران. العيد فرصة للتسامح والتجاوز والتصالح، ووضع الحد لأيام الهجر والقطيعة التي دامت شهورا أو سنوات، ونبينا عليه الصلاة والسلام يقول: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». أخرجه مالك في الموطأ، وعنه البخاري ومسلم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه.

والعيد فرصة لرد المظالم إلى أصحابها، بالعفو والصفح والتسامح، أو بدفع المستحقات إلى أصحابها. فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتَحَلَّلْهُ منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخِذَ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحُمِلَ عليه». رواه البخاري.

فاللهم اختم لنا رمضان بالفوز برضوانك، والعتق من نيرانك..

اللهم اجعلنا ممن صامه وقامه إيمانا بك واحتسابا، فغفرت له ما تقدم من ذنوبه وآثامه، يا أرحم الراحمين.

اللهم تقبل صيامنا، وتقبل قيامنا، وتقبل صلاتنا وذِكرَنا وسائرَ أعمالنا، واجعلها خالصة لوجهك الكريم، يا أكرم الأكرمين يا رب العالمين.

اللهم إنا نعوذ بك أن نخرج من رمضان بذنوب غير مغفورة، وأعمال غير مقبولة.. اللهم لا تردنا خائبين، ولا عن بابك مطرودين، ولا من رحمتك آيسين.

اللهم عمّنا بفضلك، واشملنا بعفوك، واسترنا بسترك، وتجاوز عنا بكرمك، يا كريم..

اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.. اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.. اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.. يا عفوّ يا غفور، يا حي يا قيوم.

اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واشف مرضى المسلمين، وأصلح أحوالهم، يا رب العالمين.

وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.